أكبر عملية ترميم في تاريخ الأزهر

في سبتمبر من عام 2014م، وصل إلى عِلم خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود رحمه الله حاجة الأزهر الشريف (الجامع ومؤسساته العلمية) إلى عملية ترميم إنقاذية شاملة، بناءً على تقارير فنية مستفيضة لخبراء في منظمة اليونسكو، فأمر يرحمه الله بدراسة المشروع على الفور بتوجيه مباشر منه لمساعديه لزيارة الأزهر وتحديد احتياجاته والبدء بعمليات الترميم. وقد أخفى رحمه الله هذا العمل الجليل عن الناس رغبةً فيما عند ربه، ولم يُكشف النقاب عن هذا المشروع إلا بعد وفاته.

ولم تقتصر تلبية الملك عبدالله بن عبدالعزيز لإنقاذ الأزهر على عملية الترميم، بل أمر رحمه الله بعدة مشاريع تطويرية للأزهر الشريف ضمن منحته الكريمة. وبناء على التوجيه باشرت الشركة المُكَلَّفة بالترميم والتطوير وعمل مجسّات المياه الجوفية لاكتشاف باطن الأرض قبل البدء بالترميم، واستكملت دراسة عملية الترميم وفق أعلى الشروط المتبعة في ترميم الآثار، ورسم التصاميم الهندسية للمنشآت الجديدة، ومن ضمنها مشروع إنشاء مدينة البعوث الإسلامية الجديدة التي أُعد لإنشائها ثلاثة تصاميم عرضت على شيخ الأزهر لاختيار إحداها للتنفيذ.

ويُعد هذا المشروع المبارك أكبر عملية ترميم وتطوير في تاريخ الأزهر الشريف منذ إنشائه، أي منذ أكثر من 1000 عام.

الأزهر والعمق الإسلامي

بني الجامع الأزهر عام 359 هجرية (970 ميلادية)، ويعد أهم جامع وجامعة إسلامية في مصر والأشهر في العالم الإسلامي. ويرتبط تاريخه بتاريخ مدينة القاهرة، فهو أول جامع أنشئ فيها، ويعد أقدم أثر اسلامي قائم في مصر. وشهد الأزهر عمليات ترميم وتوسعة وتطوير في فترات مختلفة من تاريخه، وأجريت له في العصر الحديث عمليات ترميم بسيطة شملت تدعيم أساسات المسجد باستخدام الخوازيق الإبرية التي زرعت تحت الأرض عند كل عمود للتقليل من تداعيات الأضرار التي لحقت بالأعمدة والجدران جراء الزلزال الذي ضرب القاهرة عام 1992م.

وخلال تاريخ الأزهر الشريف الذي يتجاوز 1000 عام، يعد مشروع عمليات الترميم الذي أمر بها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود رحمه الله الأكبر والأكثر شمولاً. ويستهدف مشروع الترميم الذي ينفذه مهندسون وعلماء في ترميم الآثار إلى إعادة الأزهر كأثر تاريخي إلى ما كان عليه قبل الأضرار التي تعرض لها، وذلك باستخدام أحدث أجهزة الرصد المساحي والتصوير الفوتوجرامترى للحفاظ على الطابع الأثري الأصيل للأزهر الشريف دون تغيير.

مشروع ضخم ومتعدد

مشروع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود رحمه الله لترميم وتطوير الأزهر الشريف، مشروع متكامل يتكوَّن من عدة مشاريع بين ترميم وتأهيل وإنشاء حديث في أماكن تواجد مؤسسات الأزهر الشريف المختلفة داخل جمهورية مصر العربية.

مشاريع الترميم

يمر مشروع الترميم خلال أربعة مراحل أساسية، ويهدف إلى تطوير وترميم الأزهر وإعادة تأهيل مبانيه وملحقاته، وينقسم إلى:

ترميم الجامع الأزهر

ويشمل أعمال الترميم الدقيق وتحليل العينات الخاصة بالأحجار وأعمال التوثيق الأثري وترميم الزخارف الإسلامية والنقوش والأسقف والنوافذ الخشبية والمشربيات وترميم الواجهات الحجرية الخارجية والداخلية ومآذن الجامع وإعادة تأهيل أرضيات الجامع ومدارسه الثلاث (المدرسة الجوهرية والطيبرسية والأقبغاوية) بنفس الأرضيات المستخدمة في الحرم المكي. ويشمل المشروع أيضاً أعمال تنسيق الموقع العام للجامع من خلال تعديل مكان دورات المياه القديمة ونقلها إلى مكان لا يحجب الرؤية البصرية عن المباني الأثرية وواجهاتها الزخرفية، إضافة إلى استحداث شبكات تصريف الأمطار وشبكات الصرف الصحي من الخارج، ورفع مستوى كفاءة الخدمات كالإضاءة الخارجية والداخلية والنقل التلفزيوني والصوتيات الداخلية ومقاومة الحريق وتعديل شبكة الكهرباء المتهالكة بشبكة حديثة تخدم الجامع والشعائر المقامة به.

إعادة تأهيل مشيخة الأزهر الأثرية القديمة لتصبح مقراً لهيئة كبار العلماء

ويتضمن المشروع الترميم الكامل للمبنى المكوّن من خمسة طوابق من الداخل والخارج، وإعادة توزيع بعض الفراغات الداخلية فيه.

ترميم مدينة البعوث الإسلامية القديمة

ويتضمن المشروع إنشاء 7 مبانٍ سكنية جديدة بمدينة البعوث القائمة حالياً لرفع طاقتها الاستيعابية من 450 إلى 1750 طالب وطالبة، و4 مبانٍ منها للبنين و3 للبنات مرفق فيه مبنى خدمات ومسجد، إضافة إلى تحسين شبكات المياه القائمة وأعمال الموقع بمساحة مبان 28.800 متر مربع.

مشاريع الإنشاء

إنشاء مدينة البعوث الإسلامية الجديدة

تقع هذه المدينة على مساحة 172 فداناً، لتستوعب مستقبلاً حوالي 35000 طالب وطالبة بنسبة 85% للبنين و15% للبنات. ويتضمن المشروع إنشاء 32 مبنى سكنياً ومسجداً رئيساً ومطاعم ومطابخ ومباني خدمات الطلبة وملاعب مفتوحة ومناطق خضراء وأسواراً وطرقاً.

إنشاء مبانٍ لخمس كليات للبنات في القاهرة والأقصر

ويتكوَّن المشروع من إنشاء مبانٍ مستقلة لكليات الإعلام للبنات في القاهرة، وكلية طب الأسنان للبنات بالقاهرة بسعة 1500 طالبة، وكلية الصيدلة للبنات بالقاهرة بسعة 2250 طالبة، وكلية طب البنات بالأقصر بسعة 500 إلى 750 طالبة، وكلية صيدلة البنات بالأقصر بسعة 750 طالبة. وتشمل المشاريع الملحقات الأخرى للكليات كعيادات الكشف الخارجي وباقي الخدمات التعليمية والإدارية.

إنشاء مبنى قناة الأزهر الفضائية

تقع هذه القناة على مساحة إجمالية تبلغ 17000 متر مربع، وتضم 4 استوديوهات بمساحات مختلفة، مجهزة بالتقنيات اللازمة والإمكانات المساندة من إضاءة وتغيير ملابس ومونتاج ومقرات الإدارة وصالونات الضيوف.

إنشاء مدينة للطلاب الوافدين

وتقع المدينة على مساحة 100 فدان في منطقة مثلث الأمل بمدينة القاهرة الجديدة. ويحوي المشروع مدينة أزهرية متكاملة (مجمع معاهد أزهرية متميزة، مدينة بعوث للطلاب الوافدين، مدينة جامعية للطلاب المغتربين، إضافةً إلى مقر جديد لبعض الكليات الأزهرية).

إنشاء سكن لطالبات جامعة الأزهر

فرع العاشر من رمضان.

إنشاء مبنى سكني للبنين بطنطا

يستوعب 450 طالب ومدرس بمساحة 6600 متر مربع

مشاريع التطوير وإعادة التأهيل

إعادة تأهيل وتطوير مطبعة المصحف الشريف

توريد وتركيب آلات الطباعة الحديثة اللازمة وما يتبع ذلك من أعمال تعديلات متنوعة. ويهدف المشروع إلى رفع القدرة الانتاجية للمطبعة إلى 75.000 مصحف شهرياً و900.000 مصحف سنوياً.

تطوير المعامل بالمعاهد الأزهرية

ويبلغ عددها 200 معمل متنوع. وهي موزعة في أنحاء جمهورية مصر العربية.

إعادة تأهيل مطابخ المدن الجامعية بنين وبنات بمدينة نصر

يشمل المشروع إعادة تأهيل معدات المطابخ بالمدن الجامعية و3 مطابخ مركزية، منها 2 للبنين ومطبخ واحد للبنات.

متابعة التنفيذ

حظي المشروع منذ بدايته بمتابعة شخصية من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود حتى وفاته رحمه الله، وذلك من خلال التواصل الهاتفي ومن خلال مبعوثيه الشخصيين إلى كبار مسؤولي الأزهر الشريف.

وتحظى هذه المشاريع حالياً بمتابعة دؤوبة من قبل مؤسسة الملك عبدالله العالمية للأعمال الإنسانية. وقد أشاد شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب بالمواقف الإسلامية والإنسانية للملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله، مؤكدًا أن أعماله ستظل شاهدة على مجهوداته في تعزيز السلام والتعاون والحوار ونشر وسطية الإسلام بين شعوب الأرض، كما أشاد شيخ الأزهر بمتابعة صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن عبدالله بن عبدالعزيز رئيس مجلس أمناء المؤسسة لأعمال مشروع الترميم والتأهيل، الذي اعتبر  الدعم من قبل والده الملك عبدالله ومن بعده مؤسسته للأعمال الإنسانية إيماناً بدور الأزهر الشريف في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ونشر مبادئ الوسطية والسماحة في الإسلام.

ويتابع صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن عبدالله بن عبدالعزيز الرئيس التنفيذي للمؤسسة المشروعات قيد التنفيذ التي أمر بها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود قبل وفاته. وكان الأمير تركي قد أشار في زيارته للمشروعات قيد التنفيذ إلى حرصه مع جميع أمناء المؤسسة من أبناء المغفور له بإذن الله الملك عبدالله بن عبدالعزيز، على متابعة المشروعات التي بدأت، حتى يتم إنجازها بإذن الله.